أخر الاخبار

رواية في قلبي انثى عبرية

في قلبي انثى عبرية

في قلبي انثى عبرية

تعرفت إلى ندى بطلة الرواية على صفحات منتدى إلكتروني كانت تروي قصتها التي أبكتني غادرت المنتدى لكن القصة لم تغادرني. وبعد فترة، كانت فكرة الرواية قد نمت في ذهني وجدتني أتصل بها وأسألها المزيد من التفاصيل. عبر الرسائل الإلكترونية والهاتف تحادثنا طويلا.

تعرفت من خلالها إلى المجتمع اليهودي المغلق وإلى من يسمون بالـ «اليهود العرب» لكنني عرفت أيضا أشياء لم تخطر ببالي، عن المقاومة في جنوب لبنان، عن الحب والحرب، وخاصة عن الإيمان.

هذه الرواية مستوحاة من قصة حقيقية خطوطها العريضة تنتمي إلى الواقع، وشخصياتها الرئيسية كانت و ما زالت أنفاسها تتردد على الأرض. لكنها لا تخلو من مسحة خيال مقصودة إما احتراما لأسرار وخصوصیات شخصية لا يجوز كشفها، أو سدا لثغرات في. القصة الحقيقية، سكتت عنها صاحبتها ، أو تحديدا لتفاصيل وحيثيات الأحداث.

أملي أن تلمس القصة شغاف قلب كل قارئ وتترك في نفسه أثرا مثل الذي تركته في نفسي.

نبذة تاريخية

معظم يهود تونس قدموا من إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر للميلاد لكن كتب التاريخ تحكي أن يهود جربة، الجزيرة التونسية، قدموا من المشرق بعد حرق معبدهم. من قبل نبوخذ نصر، ملك بابل وقائد جيوشها قبل 2500 سنة... غزا القدس وأخرج اليهود منها، سبی نساءهم وأولادهم، ونهب. ثرواتها وأموالها، وأنهى مملكة اليهود.

فتوافد بعضهم على جربة، الجزيرة الساحرة، حيث استقر بهم المقام جيلا بعد جيل، حتى أنشؤوا أشهر دور عبادتهم «كنيس الغريبة»، الذي أصبح قبلة اليهود. من جميع أنحاء العالم، ووجهة حجهم في القرون الأخيرة، والذي يعد أقدم معبد يهودي في إفريقيا، ويقال إنه يحتوي واحدة من أقدم نسخ التوراة.

وأقاموا الكثير من المعابد والمقامات التي تجاور المساجد، كما يجاور اليهود المسلمين. لكن عدد اليهود المقيمين في جربة في الوقت الحالي لا يتجاوز الألفين، وهم من أحفاد. المهاجرين الأوائل الذين تشبثوا بالأرض وأقروا انتماءهم إلى البلاد التونسية، واندمجوا بين السكان واكتسبوا عاداتهم وطباعهم، حتى لم يعد هناك من يميزهم عنهم، غير بقائهم على دين أجدادهم.

 نشأت ريما بين أحضان عائلة جاكوب اليهودية وهم يعتبرونها فردا منهم. فقد كانت بهجة البيت الذي يقيم فيه الأبوان المتقدمان في السن وابنهما جاكوب، وروحه . النابضة بالحياة، بعد أن تزوجت ابنتهما الكبرى وسافرت مع زوجها إلى لبنان.

وكان جاكوب أكثرهم تعلقا بها وحبا لها كان شابا في الثانية والعشرين من عمره حين دخلت ريما ذات السنوات الخمس حياته. فصار يقضي جل أوقاته معها يلاعبها ويداعبها، يقرأ عليها القصص والحكايات، ويستمتع بانفعالاتها البريئة وضحكاتها العفوية، يشتري لها الألعاب والهدايا ، ويستغل أوقات العطل للسفر معها.

وكانت والدتها تطمئن عليها بين يديه، ويسعدها أن يمنحها حنان الأب الذي تفتقده.

انتبه حسان إلى تلاشي قواه وتهاوي أوصاله، فأخذ يهره في عنف يحركه الخوف: - أحمد... أحمد... ابق مستيقظا سنصل قريبا.

حرك أحمد ذراعه ليشعره بحضور عقله واستمرار مقاومته، فتنهد حسان وهو يعود إلى التركيز في القيادة. أخذ يتذكر السويعات القليلة الماضية في تأثر.

كان قد تجاوز إحدى القرى المتاخمة لقانا، ودخل المدينة منذ دقائق. راح يجيل بصره في الشوارع الهادئة في توتر، وهو يبحث. عن أقرب مستشفى يمكنه أن يتوقف عنده.

ليت أحمد كان أكثر وعيا فهو يعرف المدينة جيدا نشأ فيها مع عائلته ولم يغادرها إلا من أجل الدراسة. فجأة سمع صوت انفجار مكتوم، تلاه أزيز عنيف.

بعد لحظات، تعالى صراخه المكتوم بقطعة القماش، وأخذ جسده في الاهتزاز بعنف من الألم بعد أن شرع ميشال في العبث بأدواته الحادة داخل ساقه.

كانت ندى في غاية التأثر تشد بقبضتها على الساق المصابة لتثبتها على الطاولة، وتخفي بكفها الأخرى وجهها ، حتى لا تقع عيناها على الجرح المفتوح. لكنها لم تستطع أن تمنع عبراتها من التسرب، والأنين العميق الذي يطلقه أحمد يملأ أذنيها.

كان حسان هو الآخر ممتقع الوجه يمسك بكتفي صديقه بقوة حتى يشل حركته، لكنه لم ينجح في منع جسده من الاضطراب حتى ارتخى أخيرا وغاب عن الوعي.

انشغلت ندى بترتيب المنزل وغسل الأواني في سويعات الصباح الأولى. كانت دانا قد انصرفت إلى جامعتها منذ أكثر من ساعة، ولم ينصرف ميشال. إلا بعد أن أعطاها درسا في الحذر والتعامل مع الغرباء، وبعد أن وعدته بجعل الشابين ينصرفان في أقرب وقت. أما هي فقد امتنعت عن الذهاب إلى جامعتها في ذلك الصباح، حتى تنتهي مما يشغلها. 

- حقها؟

عن أي حق تتحدث؟

تعلم أن باسكال وسارا لا يزالان صغيرين، وقد بدأت تصرفاتها المختلفة تثير الكثير من التساؤلات لديهما.

حول الصلاة التي تؤديها مرات عديدة في اليوم الواحد ، وذهابها إلى المسجد يوم الجمعة. والكتاب الذي تقرأ فيه باستمرار.

وأنا أحاول في كل مرة أن أجد تفسيرات معقولة ومقنعة للطفلين دون أن أدخل شكوكا عقائدية لديهما.

والآن ماذا؟

الحجاب مرة واحدة؟!

كيف يمكنني أن أتعامل مع هذا؟

إن الأمر وصل إلى حد لم يعد مقبولا ... وعليك أن تتصرف!! 

 وقفت ريما أمام غرفتها وهي تقاوم الدموع التي تجمعت في مقلتيها منذرة بالهطول.

وقفت تتأمل أثاث الغرفة الذي ألفته منذ سنوات طويلة، حتى حسبت أنها «غرفتها» فعلا، وأن هذا هو عالمها الخاص. العالم الذي تستسلم فيه لأحلامها وآمالها وتمارس فيه حريتها من حرية الدين والمعتقد.

ظنت أن هذا هو بيتها الذي يشعرها بالاطمئنان والأمان تلجأ إليه لتحمي أذنيها الكلمات الموجعة، وعينيها من النظرات الحارقة. تسكب بين جدرانه دموعها الصامتة، وتُرتل فيه آيات طيبات من ذكر الله الحكيم حين يلف السكون البيت وأهله، ويخيّم الظلام على كل شيء، عدا قلبها الصغير المؤمن. لكنها اليوم أيقنت أن كل ذلك كان وهما.

محمد الصادق عثمان
بواسطة : محمد الصادق عثمان
محمد الصادق محمد عثمان طالب جامعي في جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا
تعليقات




    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -